محمد محمد أبو ليلة

88

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

بعد ؛ هذا الاجتهاد لا محل له من الصواب ، بل هو الخطأ بعينه ؛ وهو مرفوض جملة وتفصيلا ، فمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، لم يكن قصاصا ، ولا شأن له بصناعة القصة ، ولم ينزل القرآن عليه صلى اللّه عليه وسلم ، على هذا النحو ، الذي يمكن أن يؤيد مثل هذا الافتراء ، الذي يحاول أصحابه أن يجعلوا القرآن عضين ؛ إن القرآن كالجسد الحي تتصل أعضاؤه وأجزاؤه في انسجام تام وجمال عبقري متناهي ؛ كيف والقرآن يضم القصص ، والأمثال ، والمواعظ ، والأحكام ، والآداب ، والعقائد ، والشرائع ، والعبادات ، والأخلاق ، وينظمها جميعا في سلك واحد متين ، وربط محكم رصين ؛ ويعرضها في بناء يبلغ الغاية في الإتقان والإحكام ؛ ثم إن هذه القصص القرآنية لها وظيفة خاصة تؤديها في إطار من التدبير الرباني والنظام الإلهى ، وقد أنزلها اللّه تعالى على بلاغة القرآن ، فليست هي في آياتها مخالفة لآيات الأحكام ، أو الأخلاق ، والمعاملات والعبادات ؛ بل إنها تجرى على النسق نفسه ، وتحتوى على ذات الألق والعبق الذي ينتشر من بين ثناياها كما ينتشر من بين سائر ثنايا الكلم القرآني بصفة عامة ؛ ثم إن الكاتبين لم يبينا لنا ، ولن يستطيعا إلى ذلك سبيلا البتّة ، من أين جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم بهذه القصص ؟ وكيف أنها كانت مستقلة عن القرآن ؟ ومتى دخلت على القرآن ومتى أدمجت فيه ؟ إن المستشرقين للأسف يقطّعان الكلام إربا ، ويعبثان بنسيج القرائن القرآنية ، ويمزقان العلاقات اللفظية والمعنوية الحميمة في القرآن كل ممزّق ، حتى يصلا إلى ما استبقا إلى تصوره وصمّما على إثباته . إنهم لم يقرءوا الآية على وجهها ولم يفهموا المقصود الصحيح منها . إن قول اللّه تعالى : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) يعنى أن اللّه تعالى هو الذي أنزلها على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الذي أنزل عليه القرآن أيضا ؛ وليست الواو الواقعة بين " المثاني " و " القرءان " ، تفيد المغايرة في النوع ؛ وإنما تنص على الفضل في الرتبة فقط وعلى الخصوصية . ومثاله أن أقول لآخر " أعطيتك السبع لآلئ والعقد العظيم " ، فليس معناه أن " السبع لآلئ " غير " العقد العظيم " وإنما هو جزء منه نبهت عليه لفضل أو ميزة رأيتها فيها ، في السبع لآلئ مع الاحتفاظ بالثناء على مجموع ما في